(8)
بعد قرائتى لكلمات نور هذه أنهمرت دموعى على جبينى فى سيل لا ينقطع
فما تلك المشاعر الفياضة التى إمتلئت بها هذه الفتاة
إن هذا ليس الحب العادى ..
إنما هو حب مميت كما يقولون
هل أحبتنى إلى هذه الدرجة ..؟
فما الذى أقرأه الآن ..؟
أأنا السبب فى موتها ..؟
بل أنا من قام بقتلها ..؟
نعم لقد قتلتها آلاف المرات .. قتلتها حين دخلت عليها ومعى إمرأة ً أخرى أعتقد أنها من أفضل النساء
قتلتها حين تركت لها حرية الأختيار فى أن تترك المستشفى
وها أنذا أقتل نفسى بنفس الخنجر الذى طعنتها به ..
بنفس المرأة الخائنة التى دخلت حياتنا لتدمرها نهائيا ً ثم تخرج منها إلى الأبد
والآن فقط علمت أننى دفعت ثمن إختيارى لتلك المرأة الخائنة أكثر مما أتوقع
و وجدت نفسى أنغمس أكثر وأكثر فى قراءة مذكراتها لأعرف بقية خباياها
حتى وإن كان ما سأعرفه سيؤلمنى أكثر وأكثر
فقرأت كلماتها بعد ذلك وهى تروى ما حدث بعد أن تركت المستشفى قائلة : ـ
"" بعد أن خرجت من المستشفى وعدت لمنزلى كنت أتوقع ثورة أمى على
لكنها قابلت كل ذلك بصمت رهيب فلم تلومنى حتى ..
أقصد لم تتحدث معى على الإطلاق
وبعد دقائق سمعت صوته فى الخارج ..
إنــــــــــــــــــــــــه هو ..
صوته يعلو تدريجيا ً
لابد إنه علم بإننى تركت المستشفى حتماً
لم يمضى كثيرا حتى وجدته يطرق باب حجرتى ..
فأذنت له بالدخول وتظاهرت بإنشغالى فى ترتيب مقتنياتى بالحجرة
فصرخ فى وجهى : ـ
"" أنظرى إلى .. لما تتصرفين هذه التصرفات البلهاء ..لماذا تركتى المستشفى ...؟
إنكِ لستى طفلة .. إنكِ فتاه راشدة .. ما الهدف مما تفعلين ..؟""
وأنتظرت حتى أنهى كلماته ثم وجدت نفسي أتحدث بصوت يختلط به البكاء قائلة : ـ
"" من أعطاك الحق لتتحدث إلى هكذا وتتدخل فى صميم حياتى ..؟
فأنت لا تعلم شيئاً عن حجم الألم الذى أتعرض له يوميا ً ..
ولن تتخيل يوما ً ما الذى أعانيه
هل تعرف ماذا سيحدث لي بعد فترة من تناولى هذا الدواء اللعين ..؟
هل ترى هذا الوجه؟
.. سيشوبه الشحوب ..
هل ترى ضفائرى هذه ؟
.. ستختفى كإمرأة تعدت التسعين عاما ً
إذا كنت ستسطيع أن ترانى هكذا .. فأنا لن أستطيع
أعلم إننى قد أموت بين الحين والآخر ..
ولكننى سأموت كما أنا اليوم
وعندما تتذكرنى ستتذكر ذلك الوجه الجميل ..!!
سأموت هنا فى حجرتى بين مقتنياتى وذكرياتى .. وهذا كل ما أردته ""
ووجدته يرد علي قائلا ً : ـ
"" إننى فعلا ً لا أعلم شيئا ً عن معاناتك ""
فقلت له : ـ
"" إذن طالما لا تعلم شيئا ً عن أمر ٍ ما .. فلا تتحدث عنه.. الصمت أفضل لك ""
فكانت تلك الكلمات نهاية للحديث بيننا حيث خرج من حجرتى غاضبا ً متوترا ً مغادراً للمنزل كله
ولم آراه بعد ذلك لمدة خمسة أيام ..
كنت أشعر خلالها بالتأرجح بين الحياة والموت
ولكن اليوم الخامس ..
إنه يوم الخميس ..
يوم خطبته المعهود
فشعرت يومها بالأختناق
وسألت نفسى .. إن خطبته اليوم.. ما الذى سأفعله ؟
هل سأحضر تلك الخطبة ..؟
ولكن هل لدى إختيار آخر ..؟
فالان ما على سوى أن أعد نفسي لأذهب لحفلة الخطبة ..
وأحاول بقدر الإمكان أن أبدو فى هذا اليوم جميلة
وأخذت أجر قدماى التى عجزت يومها عن المشى
وعندما وصلت إليهم وجدت بالحفلة حشود من الجماهير التى حضرت من معارف العروسين
فأخذت أتجول بينهم أنظر إليهم لأصرف إنتباهى عنه..
لكن عينى كانت مركزة عليه وعلى تلك الفتاة التى أختارها
وجدته يحتوى عينيها بعينيه ..
وجدت ضحكاتهم تتراقص على شفتيهم ..
فقد حان الوقت ليهدى العريس الخاتم لعروسته ..
فها هو يتقدم إليها بإبتسامة عريضة على شفتيه
يقبل يدها ويضع خاتم الخطبة فى إصبعها فيحتوى يديها بين يديه ..
يتقدمون معاً إلى المسرح لتبدأ رقصة الزفاف
فلم أستطع أن أتحتمل ..
فقد تهشمت إرادتى حينها ..
وتزاحمت داخل مخيلتى هذه المشاهد
فأخذت
أسقط
وأسقط
وأسقط
فاقدة ً للحب أولا ً.. ثم فاقدة ً للوعى مغشيا ً على "

(9)
نقلونى إلى منزلى كبقايا جثة فى هذا اليوم لا أستطيع حتى أن اتنفس
وفى اليوم التالى أتى إلى ليطمئن على حالتى الصحية
و التى كنت قد أسترددت بعضا منهاً
وهنا أخذ هو وأمى يتحدثون إلى لأعود إلى المستشفى وأستكمل علاجى
فحاولوا الضغط على بكل قوتهم لأمتثل لرغبتهم
لكننى تعللت بنفس الأسباب السابقة وخوفى من الآثار الجانبية لهذا العلاج
فأخذت أتعلل لهم بالألم ولكنهم لا يعلمون أن الألم الذى أقصده هو ألم الحب وليس ألم المرض
فإنهم لا يعلمون أن للحب آثار جانبية قد تنهى حياة الإنسان وهذا هو ما أعانيه
وعندما خاب رجائهم فى أن أستكمل علاجى إلتزمت أمى الصمت بعدها لمدة أيام طويلة
أما هو فقد ذهب ولم يعد ..
لم آراه بعد ذلك الوقت لآيام طويلة كان يسئل على فيهم عن طريق أمى
ظللت هكذا لمدة شهر أكتب فيه رسائل أحتضاراتى ..
كنت خلال هذا الشهر أشعر أن الموت قريب منى فى مكان ما
وكل يوم أشعر بقربه منى أكثر وأكثر إنه قادم إلى قريبا ً لا محالة
فكنت كل يوم أستعد وأهيأ نفسى لأستقباله
وعندما لا يأتى أعلم إنه من المؤكد سيأتينى فى اليوم التالى
وطوال هذه الفترة العصبية فإن من أحببته لم يكن بجوارى حتى ولو عطفا ً وشفقة
ففى كل يوم كنت أشعر ببعده عنى أكثر
فأنتظرته كثيرا ً وكثيرا ً لينقذنى من اليأس من الموت المحقق لكنه لم يأتى رغم طول الأنتظار
حتى إننى أصبحت أنتظره فقط من أجل أن آراه ولو مرة أخيرة قبل أن أموت
وأصبح هذا هو رجائى
ولكن حتى هذا الكم الضئيل من الأمانى لم يتحقق لى وأصبحت هكذا مجرد حطام لإنسانة
********
وبعد أن قرأت تلك الكلمات لنور أيقنت فعلا ً بحجم ما كانت تعانيه
وشعرت بمدى قسوتى وبطشى
فقد كنت أذبحها ببطئ
ولو كنت أعلم إننى من الممكن بكلمة واحدة ٍ منى أن أمنحها الحياة لما ترددت لحظة واحدة عن ذلك
ففتاة مثل نور قلما تجدها بحياتك
فقد أعطتنى الحب الذى طالما بحثت عنه لأجده بالقرب منى وأنا لا أشعر به
فأنا إذن المخطئ لإننى بحثت عن الحب وهو معى وأعطيت حبى لقلوب لا تستحقه
وحرمت أقرب الناس إلى من عطفى وهم فى أمس الحاجة إلى
وفى هذا الوقت شعرت إننى مجرم ..
فكيف أستطعت أن أقتلها هكذا ببرودة أعصابى
وحينها أيقنت فقط إننا من الممكن أن نتسبب بالمعاناة لمن حولنا دون أن نشعر
بل ونقتلهم بقسوة دون أن ندرى حجم الذى يعانونه
فكانت نور خير مثال على ذلك وكانت خير معلم لى ..
علمتنى كيف أحب موتا ً ..
كيف أعطى بدون مقابل ..
كيف أهب حياتى لمن يستحقها هنا فقط
فشعرت أنى أحب نور ..
نعم أحبها حبا ً لم أحبه لإمرأة من قبل
بل وتأكدت إننى كنت أحبها منذ قرون دون أن أدرى بمقدار عشقى لها
فكانت كل صفحة فى كتيب مذكراتها تذكرنى بحب أُحسد عليه
وتتسبب فى إنسيال دموعى لعدم تقديرى لهذا الحب
ونظرت إلى كتيب مذكراتها وجدته قد قارب على الانتهاء
فلم يبقى فيه سوى صفحتين إثنتين إنهما الصفحات التى تصف آخر أيام حياتها ..
نعم الصفحات التى تصف يوم مماتها
وهنا تذكرت مكالمتها لى فى هذا اليوم فها أنذا سأعرف لماذا حدثتنى نور بالهاتف يوم مماتها ..؟
ففتحت آخر صفحات الكتيب وأخذت فى قرآتها ...
تحياتى و للحديث بقية ,,